فؤاد سزگين
217
تاريخ التراث العربي
الفكرة المتعلقة بزمن النشأة وبمستوى العلوم الإسلامية في القرن الثاني / الثامن ، وأن الاستنتاجات المستنبطة من ذلك مرهون بعضها ببعض ، وتكسب بعضها بعضا قوة إقناع . وإذا ما أريد إبداء الرأي في الأسباب المطروحة من قبل كراوس ، فالأمر وما هو متوقف بالدرجة الأولي على وضع الفكرة القديمة تلك موضع تساؤل وعلى تمحيصها على ضوء المعلومات الجديدة وعلى ضوء النتائج التي توصل إليها مع الوقت . ثم يطرح السؤال من جديد فيما إذا كان علم جابر المبيّن في مؤلفاته ، لا يتفق مع مستوى العلوم في القرن الثاني / الثامن حقّا . وبعد التوصل لقرائن كافية يمكن طرح السؤال المضاد : ترى أليست هناك نتائج تستنبط من مقارنة بين علم جابر وبين المستوى العلمي لزمن نشأة زمن المجموع الذي أخذ به كراوس ، تضطرنا إلى قبول القرن الثاني / الثامن ، زمنا ألّف فيه مجموع جابر ؟ وللإجابة على هذا السؤال سترد إضافة لذلك مناقشة الاعتراضات التي أبداها كراوس . إن الفكرة العامة السابقة التي تقول بالنشأة المتأخرة للعلوم الإسلامية تعارضها كلّ الحجج والآراء الواردة في كل باب من أبواب هذا الكتاب تقريبا ، وبالتالي فهي تعارض أيضا ذلك التأريخ الشائع لمجموع جابر . وحريّ أن ينوه هنا أكثر ما ينوه إلى أن العلوم الإسلامية بدأت بكل فروعها تقريبا في القرن الأول / السابع تقريبا ، وأنها تشكل استمرارا مكثفا لعلوم الشعوب المتأثرة بالهلّينية ، التي « العلوم » كانت بدورها تطورا متواصلا في اتجاهات مختلفة للعلوم اليونانية . هذا وترجع الترجمات الأولي للكتب الفكرية والكتب العلمية الطبيعية عن اللغة اليونانية والسريانية والفارسية الوسيطة ، إلي القرن الأول / السابع . ومنه فقد توافر للعالم الذي كان يكتب باللغة العربية في القرن الثاني / الثامن ، توافرت له ترجمات جمة عن اللغات الآنفة الذكر وعن اللغة الهندية أيضا ، كما توفر له أحيانا أعمال العلماء أنفسهم الذين كتبوا باللغة العربية واللغة السريانية . وعليه ، فقد كان المصطلح العلمي العربي قد قطع مرحلة كبيرة من التطور بحيث لا يجوز لنا بعد ذلك أن نضلّل بالرأي القائل إنّ مدرسة حنين هي التي أنشأت المصطلحات العلمية للترجمة .